متفرقاتنايف معتوق

المواطن السوري بين الانتماء إلى الحزب والتحبيذ

 
في خطاب الأوّل من آذار من العام 1938، وفيه عرضٌ لنشوء الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعي والعراقيل التي اعترضته وتغلّب عليها، أشار الزعيم إلى حالة الوجل التي سيطرت على عدد من العاملين وحاولوا أن يبقى العمل سرّيًّا: 
 
“… وكنت أشعر أنّ الكثير من الذين دخلوا الحزب كانوا يظنّون التستّر والخفية أقوى قوّة في الحزب ويتخوّفون كثيرًا من انكشاف أمر الحزب وظهور أسمائهم، حتّى إنّ مجلس العمد الأوّل بحث في إحدى جلساته ضرورة كتمان اسم الزعيم والعمد فلمّا رفضتُ أن يكتم اسمي والعمل بسياسة الكتمان والإبهام رأى أعضاء المجلس أن يوافقوني على أنّ سياسة الجلاء والصراحة هي الأوفق. وكم وكم من الذين جاؤوا يراجعونني في أمر إتلاف بطاقات العضوية المثبِتة مسؤوليات الأعضاء فرفضت الإصغاء لصوت الخوف والوجل وأجبت الذين كانوا يطلبون إتلاف التذاكر والاستغناء عنها “أننا حين ندخل الحزب السوري القومي ندخل في حياة جديدة لا نريد أن نتخلّى عنها” والذين كانوا يقولون ” لا حاجة لهذه البطاقات، لأنّ الإيمان في القلب، والأصل الباطن وكلمة الرجل تكفي لتقييده” أجبتهم “إنّ الظاهر يجب أن يدلّ على الباطن والذي يتقيّد بكلمته لا يرفض أن تكون هذه الكلمة خطّية وحاملة توقيعه”. (أوّل آذار 1938). 
 
وانسحابًا على حالة الوجل التي عبّر عنها بعض المنتمين آنذاك إلى الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، فإنّ كثيرين ممّن تسنّى لهم الاطّلاع على العقيدة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة، وتركت آثارًا إيجابيّة في نفوسهم، لم يقدموا على الانتظام في العمل الحزبيّ الجدّيّ؛  وكانوا يؤثرون البقاء خارجه على أن يكونوا فَعَلةً مؤثّرين من خارج.
 
وطبيعيّ ألّا يصغي الزعيم لصوت الوجل الذي استشعره عندهم، بل حاول أن يرفعهم إلى مستوى الصراع الحقيقيّ الذي لا يعرف وجلًا ولا تردّدًا ولا وَهَنًا، مؤكّدًا لهم أنّ الإيمان يتجلّى في الباطن والظاهر على السواء.
واللّافت أنّ هذه الحالة ما زالت تراود أذهان البعض بطرقٍ وأساليب مختلفة، ومختصرها:  لماذا لا تفتح الطريق أمام كمٍّ لا بأس به ممّن يصرّحون بقناعاتهم بالفكر السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، ويحجمون عن الانخراط بالعمل الحزبيّ المنتظم؟ ألا يمكن الاستفادة من طاقاتهم لمصلحة الحركة؟ وهل هنالك فرق بين الانتظام والمساندة؟
 
– من الواضح لدى المنتظمين والمطّلعين ما أكّد عليه سعادة من أنّ “الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ هو الأمّةُ مصغّرة، كان عليه [أي الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ] أن يعتبرَ نفسَه، في حقيقتِه واتّجاهِه وأهدافِه، دولةَ الشعبِ السوريِّ المستقلّةَ، ولذلك أعلنتُ أنَّ القوميين الاجتماعيين يشعرون أنَّ الحزبَ هو بمثابةِ دولتِهمِ المستقلّةِ”. (المحاضرة الثانية). ففي الدولة الحقيقيّة لا يمكن أن ينتزع العضو نفسه من الدولة الواحدة، ففيها حقوقٌ له وواجباتُ عليه. وفي حقيقة المساواة بالمواطنة، ما على العضو إلّا أن يقوم بواجباته، وبالتالي يمكنه الحصول على حقوقه. والحقوق والواجبات لا تكون خارج الدولة، بل في صميم هيكليّتها العامّة. هذا في دائرة الدولة القوميّة الاجتماعية.
 
– وعلى صعيد آخر، وفي الاتّجاه نفسه، فإنّ الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعي، هو المؤسّسة التي تضمّ المؤمنين بفكر سعادة، والعاملين بوحدة تنظيمٍ ووحدة اتّجاه لخدمة المصلحة القومية العليا، ولا يسمح للقوميين إلّا أن  يتمرّسوا بالأسس التي ينصّ عليها القسم؛ من تطبيق لأوامر الرؤساء وكتم الأسرار حتى عن القوميين الاجتماعيين، والالتزام بتنفيذ خطط الحزب؛ وهذا لا ينطبق على الذين هم خارج التنظيم الحزبي؛ وبالتالي تبقى النتائج قاصرة عن مجاراة المنتظِمين؛ صحيح أنّ المقتنعين بفكر سعادة هم سند للحزب، ولكنّ طاقاتهم الفاعلة تبقى خارج الفعل الحقيقيّ والنتائج المطلوبة؛ وهؤلاء يمكن أن نضعهم في خانة المؤتلفة قلوبهم. فالنتائج المتوخّاة لا تعرف طريقها إلى التحقيق الفعليّ خارج مؤسّسة الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، الدولة السوريّة مصغّرةً. فهل يمكن أن يكون المواطن السوريّ خارج دولته، يتمرّس على هواه؟ وإذا تمرّس كل فردٍ على هواه، ترى ما هو الحصاد الذي تحصده الدولة القوميّة؟
 
– وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ البعض قد يحتجّ بما قام به سعادة في الأربعينيّات من القرن الماضي، حيث أوجد فئة المحبِّذين الذين لهم دور المساندين، لكنّهم ليسوا في دائرة العمل التنظيمي، وقد حدّد الزعيم الفارق بين العامل الفعليّ والمحبِّذ في رسالة إلى غسّان تويني في 2 آب 1946 :”
 
  “… النظر في المقبلين عمليًّا على الدعوة بتحفّظات متنوّعة وتصنيفهم حسب تحفّظاتهم مع تعيين النسبة العددية والنسبة النوعية لكلّ فئة منهم في إحصاء صحيح مرفوق بتقديرات تقريبية للإمكانيات وغيرها، وبينما القائمون بالعمل، أو المنفّذيات، ينتظرون التدابير والقرارات والمراسيم النهائية في صدد المصنّفين حسب وضعيّاتهم وتحفّظاتهم الخصوصيّة، يمكنهم إيجاد صنف عامّ لجميعهم متميّز عن القوميين الاجتماعيين كلّيًّا فيكون من مقتنعين بالمبادئ ومحبِّذين لها ومتعهِّدين بتأييدها بتحديد لمسؤولياتهم وحقوقهم ضمن المنظَّمة، ولا يكون لهم حقّ الاشتراك الفعلي في الإدارة الحزبية ومؤسّساتها السياسية. (من رسالة إلى غسّان تويني، 2 آب 1946).
 
وفي رسالة أخرى للرفيق وديع عبد المسيح حول النقطة عينها ما نصّه :” كنتَ عرضتَ عليّ فكرة إيجاد مشتركين من المحبِّذين، وأظنّ أنّي كتبت إليك سابقًا أوافق على هذه الفكرة، بشرط أن يصير تنظيم ذلك بواسطة اللجنة المركزيّة، وأن لا يُحشَر في عداد المحبِّذين من يجب أن يكونوا من العاملين المندمجين، فيمكنكم أن تنظّموا قائمة بالأسماء التي يصير ترشيحها للاشتراك، ثمّ يصير الدرس والتعليق على كلّ اسم، وما هي النتيجة التي يُنتظر الوصول إليها معه”.(من رسالة إلى وديع عبد المسيح في 23 كانون الثاني 1940).
– أمّا أن يكون هذا المواطن المقتنع بفكر سعادة، غير الملتزم تنظيميًّا بالحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، سوريًّا قوميًّا اجتماعيًّا، فممّا لا ينسجم مع حقيقة الأسس الناظمة أوالمنطق أو الدستور، لأنّه خارج الإطار الدستوري الملزِم . صحيحٌ أنّ كلّ سوريٍّ في طبيعة وجوده، وحقيقة انتمائه هو سوريّ قوميّ اجتماعيٌّ، لكن هذه الحقيقة تبقى في دائرة القوّة لا ينقصها إلّا أن تصبح حقيقة بالفعل، من خلال الوعي ثم الالتزام الفعليّ في مؤسّسة الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ.
وعليه نستنتج أنّ السوريّ القوميّ الاجتماعيّ هو المنتمي إلى الحزب والعامل بالشروط العقائديّة والدستوريّة، وكلّ من يقتنع بالمبادئ ويجعلها نمط حياة دون أن يقسم يمين الولاء للأمّة والزعيم هو محبِّذ يساند وغير ملزَمٍ بقواعد الانتظام الحزبيّ. علمًا أنّ أيّ سوريٍّ هو سوريٌّ قوميّ اجتماعي بطبيعة وجوده وليس بالفعل التنظيميّ التطبيقيّ القائم.
 
  في 23 نيسان 2020  
  نايف معتوق
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock